حدود واحدة، مدينتان، وذاكرة مشتركة
على الحدود الفاصلة بين نصيبين في شمال كردستان وقامشلو في روج آفا، تتجلى حكاية جغرافيا قسمت سياسياً، لكنها ظلت متصلة في ذاكرة الناس ووجدانهم.
أكين ستيرك
ماردين ـ لعل واقع التجزئة في الجغرافيا الكردية يتجلى بأوضح صوره عند الحدود الفاصلة بين نصيبين في ماردين بشمال كردستان وقامشلو في روج آفا، فالخرائط تتغير، والحدود ترسم، وقد تتبدل أسماء المدن، لكن وحدة الجغرافيا تظل حية في ذاكرة الناس.
إن الحدود الفاصلة بين قضاء نصيبين في ماردين ومدينة قامشلو ليست مجرد خط يفصل بين مدينتين، بل هي أيضاً حقيقة ملموسة تجسد كيف جرى تقسيم الجغرافيا التي يعيش فيها الشعب الكردي. أما بالنسبة إلى الناس على جانبي الحدود، فإن الضفة المقابلة ليست مكاناً غريباً، بقدر ما هي امتداد لحياة مألوفة.
فالكردية التي تسمع في أحد الشوارع تمتزج بأصوات الشارع المقابل. ولا يعرف إن كانت المرثية التي ترددها أمّ ما تغنى على هذا الجانب من الحدود أم ذاك. والأغنية لا تحتاج إلى جواز سفر كي تعبر بكلماتها.
ففي ذاكرة الناس، تواصل القرى والعائلات والأقارب والماضي عبور الحدود المرسومة، متجاوزةً الخطوط التي فرضت على الجغرافيا.
النظر إلى هوية مشتركة
لذلك، فإن النظر إلى قامشلو لا يعني مجرد النظر إلى المدينة المقابلة، بل يعني النظر إلى تاريخٍ منقسم، وجغرافيا مجزّأة، وهوية مشتركة يجري السعي إلى الحفاظ عليها رغم كل شيء.
إن هذا التشظّي، الذي يعد إحدى القضايا الأساسية في الوعي السياسي الكردي، يتجلّى أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية. فالحدود تفصل بين الناس، لكنها لا تستطيع أن تمحو وحدة اللغة والثقافة والذاكرة. وهنا تحديداً، تتواجه القوة المادية للحدود مع استمرارية الذاكرة الجماعية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في المشهد الممتد من نصيبين إلى قامشلو هو هذه الحقيقة: هناك خط يفصل بين الجانبين، لكن الحياة على طرفيه لم تنقطع تماماً إحداها عن الأخرى. فبعض الحدود موجودة على الخرائط، لا في ذاكرة الناس.
حين ينظر المرء إلى قامشلو، لا يرى ما وراء الحدود فحسب، بل يرى جزءاً من تاريخه هو أيضاً. وهذا المشهد يستحضر بصمت، ومنذ سنوات طويلة، وحدة جغرافيا قُسمت قسراً.